منذ سنوات وأنا أقرأ القرآن، وكنت أظن أن تحسن التلاوة يعني شيئًا واحدًا: أن أحفظ أحكام التجويد أكثر، وأن أتدرب على مخارج الحروف لساعات أطول. لم يخطر ببالي يومًا أن المشكلة قد لا تكون في لساني أصلًا، بل في… طريقة جلوسي
كنت أقرأ القرآن في أحد الأيام وأنا أجلس جلسة غير مريحة، منحنية قليلًا فوق المصحف و كنت أشعر أن النفس ينقطع بسرعة، وأن بعض الحروف، خصوصًا الحروف التي لها مخرج محقق، لا تخرج بالسلاسة التي اعتدتها و لم أستطع أن أحدد السبب، فكل شيء بدا طبيعيًا ثم غيرت وضعيتي رفعت المصحف قليلًا، وأعدت ظهري إلى وضع مستقيم، وأرخيت كتفي، وتركت رقبتي في وضعها الطبيعي لم يكن تغييرًا كبيرًا، لكنه كان كافيًا لأن أشعر بأن شيئًا ما قد تغير بالفعل و أصبح النفس أطول وأصبح الصوت أكثر استقرارًا.
والأغرب من ذلك أن بعض الحروف التي كنت أبذل جهدًا في إخراجها خرجت بسهولة، وكأن أعضاء النطق تعمل بانسجام لم أشعر به من قبل. في البداية ظننت أن الأمر مجرد إحساس عابر، لكن فضولي دفعني إلى البحث:
هل يمكن أن تؤثر وضعية الجسد فعلًا في التلاوة؟
وكان الجواب: نعم، ولكن ليس بالطريقة التي كنت أتصورها.
مخارج الحروف نفسها لا تتغير فالقاف سيظل يخرج من أقصى اللسان والباء من الشفتين، والعين من وسط الحلق. هذه حقائق تشريحية ثابتة و لكن الذي يتغير هو البيئة التي تعمل فيها هذه الأعضاء فعندما يكون الظهر مستقيمًا، يتمدد القفص الصدري بحرية أكبر، فتستوعب الرئتان كمية هواء أكبر، ويصبح تدفق النفس أكثر ثباتًا. وهذا وحده يغيّر كثيرًا من جودة التلاوة، لأن الصوت في أساسه هو هواء يمر عبر الحنجرة قبل أن تشكله أعضاء النطق وأما عندما نجلس منحنين، فإننا نضغط على الصدر والبطن دون أن نشعر، فيقصر النفس، ويزداد الجهد المبذول لإكمال المدود
ثم اكتشفت أمرًا آخر و هو أنه حتى وضعية الرأس تصنع فرقًا عندما كنت أخفض رأسي كثيرًا نحو المصحف، كانت عضلات الرقبة مشدودة، والحنجرة أقل راحة. أما عندما رفعت المصحف إلى مستوى أقرب للنظر، أصبح الصوت أكثر انسيابًا، وشعرت أن الحروف الحلقية تخرج براحة أكبر.
حتى الفك لم يكن بعيدًا عن هذه القصة كنت أقرأ أحيانًا وأنا أشد فكي دون أن أشعر، خصوصًا عندما أركز على تطبيق الأحكام بدقة ومع الوقت أدركت أن هذا التوتر ينعكس مباشرة على حركة اللسان، بينما يسمح الفك المسترخي للحروف أن تخرج بطبيعتها
المثير للاهتمام أن ما شعرت به لم يكن مجرد انطباع شخصي.
فعلم الصوتيات يوضح أن إنتاج الكلام عملية يشترك فيها الجهاز التنفسي، والحنجرة، واللسان، والشفتان، وتجويفات الرنين، وأن وضعية الجسم تؤثر في كفاءة هذا النظام كله ولهذا السبب يولي مدربو الإلقاء، والمنشدون، وحتى اختصاصيو علاج النطق اهتمامًا كبيرًا بطريقة الجلوس والوقوف قبل البدء في تدريب الصوت حين فهمت ذلك، تغيرت نظرتي إلى التلاوة.
لم أعد أعتبر الجلسة مجرد تفصيل صغير، بل أصبحت جزءًا من الاستعداد لقراءة القرآن، تمامًا كما أحرص على الوضوء، أو اختيار مكان هادئ، أو استحضار النية.
صرت أجلس وظهري مستقيمًا دون تكلف، وأرفع المصحف بحيث لا أضطر إلى الانحناء، وأتنفس بهدوء قبل أن أبدأ القراءة.
وربما كان أجمل ما تعلمته من هذه التجربة أن تحسين الأداء لا يحتاج دائمًا إلى تعلم قاعدة جديدة، بل قد يبدأ أحيانًا بتصحيح عادة بسيطة كنا نظن أنها لا تعني شيئًا.
أحيانًا، لا يكون اللسان هو الذي يحتاج إلى التصحيح…بل الطريقة التي نجلس بها ونحن نتلو .كلام الله



مقال جمييل جاء بالوقت المناسب
يا حلوة مخارج الحروف من اي قناة تتعلمي فيهن؟ خصوصاً حرف ال ض