ماذا يعني أنْ تكونَ مُثقفاً؟
عن القلق، والمعرفة، وتحويل الذات.
في كل مرة يُطرح فيها السؤال: “كيف أصبح مثقفاً؟”، يُستحضر مشهدٌ قديم: شخصٌ يقرأ كثيراً، يقتبس من الكتب، يحفظ تواريخ المعارك وأسماء الفلاسفة، ويجيد الحديث عن كل شيء. لكن هذه الصورة، رغم رواجها، لم تعد تكفي. لا تكفي لأن العالم تغيّر، ولأن الفهم العميق للثقافة يطالبنا أن نبدأ من سؤال آخر: ما معنى أن تكون مثقفاً حقاً؟

في هذا المعنى، لا يمكن اختزال الثقافة في المعرفة، لأن المعرفة يمكن أن تكون ميتة. أما الثقافة الحقيقية، فهي القدرة على رؤية الحياة بمنظار مختلف، والتجرؤ على الشك في ما اعتُبر بديهياً. هذا ما كان ميشيل فوكو يشير إليه حين اعتبر الثقافة شكلاً من “الاعتناء بالذات”، أي أن تكون حياة الإنسان مشروعاً جمالياً وأخلاقياً لإعادة تشكيل نفسه، ضد السطحية والامتثال.
ما المعرفة؟ وهل تكفي
إذا كانت الثقافة هي الحياة التي نعيد التفكير فيها، فإن المعرفة هي أدوات ذلك التفكير. لكن، ما المعرفة؟ يعرّفها أفلاطون بأنها:
“الاعتقاد الصادق المبرَّر” – أي أن تعرف شيئاً لا يعني فقط أن تصدّقه، بل أن يكون صادقاً، وأن تكون لك أسباب عقلية تؤيد صدقه.
لكن هذا لا يكفي لفهم المعرفة الحديثة. عند ميشيل فوكو، المعرفة ليست بريئة، بل نتاج لصراعات السلطة والمعنى. وهو يقول:
“لا توجد معرفة خارج علاقات القوة.”
أما إدغار موران، فيرى أن المعرفة الحقيقية هي تلك التي تُنتج الوعي لا الغرور. يقول:
“المعرفة التي لا تعرف حدودها، تصبح جهلاً متخفياً.”
بهذا الفهم، تصبح المعرفة التي لا تُختبر ولا تُربَط بالحياة، مجرد معلومات صمّاء. بينما المعرفة الحيّة، هي التي تهزنا، وتُقلق يقيننا، وتدفعنا إلى إعادة النظر في أنفسنا والعالم.
المثقف كضمير لا كخبير
أن تكون مثقفاً لا يعني أن تبتعد عن العالم، بل أن تدخل إليه بعيون مفتوحة، وبقلب مسكون بالقلق. القلق من الظلم، من الكذب، من التكرار الأعمى. لهذا السبب، يرى إدوارد سعيد أن المثقف الحقيقي هو من يقف “في وجه السلطة حين تنحرف، وفي صفّ الحقيقة حين تُشوَّه”. ليس المثقف عنده خبيراً معزولاً، بل ضميراً حيّاً، ناقداً، وفياً لأولئك الذين لا صوت لهم.
سارتر: الأسئلة بدل الأجوبة
في قلب هذا كله، يقف المثقف كما وصفه جان بول سارتر: كائنًا لا يرتاح. لا لأنه تعيس، بل لأنه يجرؤ على طرح الأسئلة التي تؤلم، وتفكيك الإجابات التي تُريح. إنه يسير دائماً على الحافة: حافة العالم، حافة اليقين، حافة المعنى. إنه يعيش توتراً مستمراً بين “ما هو كائن” و”ما يجب أن يكون”، ولذلك تصبح الثقافة عنده مسؤولية، لا زينة
الثقافة بوصفها سرداً للذات
أما بول ريكور، فيقدّم بعداً آخر: المثقف ليس فقط من يقرأ العالم، بل من يعيد كتابة ذاته عبر الثقافة. فنحن لا نولد بهويات جاهزة؛ بل نبنيها، نحكيها، نعيد صياغتها كل مرة نلتقي فيها بنص، أو فكرة، أو إنسان مختلف. الثقافة هنا ليست مرآة فقط، بل أداة تحوّل داخلي
فماذا يعني أن تكون مثقفاً إذن؟
أن تكون مثقفاً يعني أن لا تكتفي.
أن تكون في حالة بناء دائم، وقلق جميل، ويقظة ضد البديهي.
أن تكون حارساً على باب المعنى، لا لتمنع الدخول، بل لتسأل: “لماذا تدخل؟ وإلى أين تمضي؟

الثقافة من أهم أشكال ال glow up لللشخص، لأن الglow up الخارجي يحتاج غلو اب داخلي معه و يكون بعدة أشكال منها أن تكون مثقفاً 🌻🌻
في ظنّي المثقف كذلك من هو مرنٌ في التفكير، لا يرفض الأختلاف ولا يُجبر الغير في أتباع نهجه الخاص، يتفهَّم دائمًا وليس بالضرورة أن يفهم كل الناس