في العقل و القلب
زُخرُفُه مِثلُ حالاتِ نَفسٍ يُبَدِّلُ رَبُّكَ ألوانَها
فَثَمَّ بُكاءٌ رَجَاءٌ وَثَمَّ بُكاءٌ عِنَاد
العواطِفُ، كما يفهمُها العامّةُ خطأً، هي كالمزاج؛ عشوائيةٌ ولحظيةٌ وغيرُ عقلانية، والكلُّ مشغولٌ بعواطفه وعواطِفِ غيرِه، لكنّ قليلًا منهم مَن يسأل نفسَه عن ماهيتها وغايتِها ووظيفتِها.
أفضلُ تعريفٍ ارتأيتُه لها هو أنها "موقِفُ المرءِ، شعورًا جسديًا وعقليًا، من الحوادثِ والأشخاص." ربما خاطرتُ بتعريفي هذا كأني فسَّرتُ الماءَ بعد الجهد بالماءِ، لكنّي أردتُ به تبيان أنّ العاطفةَ ليست مزاجًا لحظيًا أو شعورًا عابرًا كالحرِّ والبَردِ والنّعاس، هي موقفٌ مستمرٌّ ثابتٌ–بِقَدرِ ما تَثبُتُ المواقِف–كالحزنِ والبهجةِ والاشمئزازِ من شيءٍ أو شخص.
أمّا العلّةُ منها في حياةِ الإنسان، فهي أنها الدافع و "الواهس" الذي يحمله على الفعل؛ أيِّ فعل. فالفِكرُ وحدَه باهتٌ بارد لا يحمل المرءَ على الفعل ما لَمْ تكُن الفكرةُ ملوَّنةً بالعاطفة ومُتَرجَمَةً إلى شعورٍ فتكسِبَ لونًا ووزنًا وحرارة.
تأمل كيف يحرّكك الشعور، لا الفِكر وحده: فأنت إنْ أُخِذَ حقُّك دفعَكَ غضبُكَ، لا نظريةَ العدل التي تَعتَقِدُ بها، لِرَدِّه، وإنْ رأيتَ جميلًا، دفعَك انجذابُك، لا فلسفةُ الجمال، لنيلِ قربِه، وإنْ فقدتَ عزيزًا دفَعَكَ حبُّك له وشوقك إليه للجَزع. فالغضبُ والحبُّ والحزن كلُّها دوافع تدفعك للعدل، أو لرفض الظلم على الأقل، وتدفعك لتُحِبَّ من رأيته جميل الخَلقِ والخُلُق، وتدفعُك لتعانِدَ الموتَ والزمن فَتُبقي مَن أحببتَ حيًا في القلبِ والذِّكر.
يَهوى البشرُ الثنائياتِ والمتضادّات. فكثيرًا ما ترى أحَدَهم يُعَرِّضُ بالقلبِ وآخر بالعقل. غير أنّ الأمر–كالعادة–ليس بهذه البساطة. ولستُ أُعَرِّضُ بالفِكرِ هنا أو أحطُّ من شأنِه. جُلُّ ما أُريد هو أنْ أجعلك تدركُ التعقيدَ في الأمرِ والجمالَ فيه. أنْ يؤمن الإنسانُ بفكرةٍ يعني أنْ يترجِمَها لشعور؛ فِعلُ الإيمان بحدّ ذاتِه هو فِعلُ ترجمةٍ يعني أنّ المرءَ ما عادَ "يَعرِفُ" الفكرةَ فقط أو "يفهمها" أو يدّعي قولًا التمسّك بها، بل يعني أنّ الفِكرةَ صارت وجدانًا فيه ودافعًا له، فصارَ يشعرُ بها بعد أنْ كان يفكّر بها فقط؛ معنى الإيمان بفكرةٍ هو امتِدادُها من العقلِ للقلب، ثُمّ للجوارح.
هاكَ مثالًا بسيطًا: الكلّ "يعرف" أنّ الرياضة والأكلَ الصحيّ وتركَ التدخين يُطيلانِ العُمرَ ويحفظانِ الصّحة، لكنّ أكثرَهم لا "يؤمنون" بما يعرفون. لَم يتشبّعوا ويتفكّروا بالفكرةِ فَلَم تَصِر شعورًا بل ظلّت حبرًا على ورقٍ في مكتبة العقل. لكن حين يُبتَلى المرءُ بالمرضِ أو يرى غيرَه مُبتلىً به فيُصدَمَ بالواقع الحسّي، عندئذٍ يصير للفكرةِ لونٌ هو الخوف، ووزنٌ هو القلق. حينَها تستحيلُ المعرفةُ إيمانًا.
مِن هنا تأتي قيمةُ العاطفةِ وخطورتُها: فهي الدافع. إنْ كانت ترجمةً لأفكارٍ صحيحةٍ صارت دافعًا للفعل الصحيح والواجب. لكنّها إنْ كانت ترجمةً لأفكارٍ مغلوطةٍ وأوهامٍ لا صلةَ لها بالواقع، تَراها صارت دافعًا يجرّ المرءَ للدَرَكِ الأسفل فكأنها، بل هي عينُها، مَرَضٌ وشللٌ للإرادة.
للأمانة هذا المقال ليس من كتابتي هو عبارة عن مجموعة من الاقتباسات قرأتها في قناة في التلغرام و أعجبتني

